تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
أو منع كثيرا منهم عن حقهّ من العطاء ، لأن بني اميّة استأصلوا الأنام في أيّام عثمان ، فلمّا قتل قالوا لعليّ عليه السّلام نبايعك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر ، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما ، وقال عليه السّلام للناس كلاما تحته رمز وهو قوله عليه السّلام : « إنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكّرت » قالوا : هذا كلام له باطن وغور عميق ، معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو ويجهلون هم ، وهو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض ، واختلاف الكلمة وظهور الفتنة . ومعنى قوله عليه السّلام « الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت » : أنّ الشبهة استولت على العقول والقلوب ، وجهل أكثر النّاس محجّة الحق أين هي ، فأنا لكم وزيرا عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أفتي فيكم بشريعته وأحكامه ، خير لكم منّي أميرا محجورا عليه ، مدبرا بتدبيركم ، فإنّي أعلم أنهّ لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أصحابه ، مستقلا بالتدبير لفساد أحوالكم وتعذّر صلاحكم . ومعنى قوله عليه السّلام : « له وجوه وألوان » أنهّ موضع شبهة وتأويل ، فمن قائل يقول : ( أصاب عليّ ) وآخر يقول : ( أخطأ ) . وكذلك القول في تصويب محاربيه من الجمل وصفين والنهروان ، وتخطئتهم فإنّ المذاهب فيه وفيهم تشعّبت وتفرّقت جدا . قال : وحمل بعضهم كلامه عليه السّلام على محمل آخر ، فقال : هذا كلام مستريب شاكّ من أصحابه ، يقول لهم : « دعوني والتمسوا غيري » على طريق الضجر منهم ، والتبرّم بهم ، والتسخّط لأفعالهم ، لأنّهم كانوا عدولا عنه من قبل واختاروا عليه ، فلمّا طلبوه بعد أجابهم جواب المتسّخط العاتب .