وحمله بعضهم على محمل آخر فقالوا : إنهّ أخرجه مخرج التهكم والسخرية أي : « أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا » في ما تعتقدونه ، كما قال سبحانه : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 1 ) أي : تزعم ذلك لنفسك وتعتقده . وما ذكروه من المحامل ليس ببعيد لو كان الدليل عليه دل ( 2 ) . قلت : قد عرفت عدم معلوميّة كونه كلامه عليه السّلام وعلى فرض كونه كلامه عليه السّلام فنقول : أمّا ما نقله عن أصحابه أنهّ لو كان منصوصا عليه لمّا جاز أن يقول : ( دعوني والتمسوا غيري ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا ) فهل الإمامة هي السلطنة والرّياسة ، فالإمام كالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سواء كان له بسط يد أم لا ، والسّلطنة وإن كانت حقّهما إلّا أنّ تلك السلطنة أيضا من اللّه ، وهم يريدون أن يجعلوه سلطانا من قبلهم وببيعتهم ، ولم يكونوا يعتقدوا أنّ طاعته عليه السّلام طاعة اللّه ، ومعصيتة معصية اللّه كالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يكن واجبا عليه عليه السّلام قبول رياستهم ، فأي مانع أن يقول دعوني والتمسوا غيري لإمامتكم المصنوعة ، وأمّا طاعته لمن ولوه فلوجوب التقيّة . وأمّا كون كونه وزيرا لهم خيرا لهم من إمارته ، لأنّ بامارته كانوا يخرجون عليه فيكفروا ، فإنّ طلحة والزبير صارا بسبب إمارته عليه السّلام في غاية الخزي والشقاوة ، مع أنّ تكلّم الإنسان في مثله على عقيدة خصمه ، فقالوا : ان طائفة بجيلة في صفين قالوا لأبي شداد قيس بن مكشوح : خذ رايتنا . فقال : غيري خير لكم منّي ، قالوا : ما نريد غيرك . قال : فو اللّه لئن أعطتيمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب - يعني معاوية فكان على رأسه رجل معه ترس مذهب يستره من الشمس - .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 568
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٦٨
هامش
( 1 ) الدخان : 49 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 33 - 35 .