وأمّا ما نقل عن الإمامية من المحامل ، وقال ليست ببعيدة لو دلّ عليها دليل ، فيدلّ على المحمل الأوّل من عدم قبوله عليه السّلام العمل بسيرة أبي بكر وعمر : إنهّ لمّا قال له ابن عوف يوم الدار : أبايعك على أن تعمل بسنّتهما أنكر عليه ، وقال : لا أعمل إلّا بكتاب اللّه تعالى وسنّة نبيهّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولمّا بايعه عليه السّلام أصحابه بيعة ثانية بعد التحكيم ، أراد رجل خثعمي بيعته على شرط ذلك فأنكر عليه أيضا ، وكونه عليه السّلام وزيرا عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر معلوم بالضرورة ، لا ينكره أحد حتّى انّ معاوية كان مقرّا به ، كما في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر ، وتواتر به الخبر في حديث المنزلة ( 1 ) . ويدلّ على الثاني : أنّ تسخطه عليه السّلام على النّاس وعتابه لهم في عدولهم عنه أمر مقطوع من الواضحات ، وقد كان يصرّح به في أيّام الثلاثة في غير مقام ويخطب به في أياّمه مقاما بعد مقام ، بل كان عليه السّلام قلمّا يرقى المنبر إلّا ويشكو من مظلوميته . ويدلّ على الثالث : أنّ كونه عليه السّلام رائي نفسه بمنزلة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيضا أمر معلوم ، فكان عليه السّلام يقول : « وأنا من رسول اللّه كالصنو من الصنو والذراع من العضد » ( 2 ) ، وكان يقول : « إنّا صنائع اللّه والنّاس صنائع لنا » ( 3 ) وكيف لا يقول عليه السّلام ذلك والقرآن في قوله تعالى : . . . وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ . . . ( 4 ) وإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرسَوُلهُُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 5 ) يشهد له بذلك وكان عليه السّلام لا يرى الإمامة لغيره وغير المعصومين من عترته ، ولذا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 569
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٦٩
هامش
( 1 ) انظر في مصادر هذا الحديث إحقاق الحقّ 7 : 428 ، بحار الأنوار 37 : 254 الباب 53 ، الغدير 3 : 199 - 201 .
( 2 ) نهج البلاغة 3 : 81 ، الكتاب 45 .
( 3 ) نهج البلاغة 3 : 36 ، الكتاب 28 .
( 4 ) آل عمران : 61 .
( 5 ) المائدة : 55 .