تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠

ويقال إنّ بعض العلويّة قال في حضرة عضد الدولة ببغداد : عندنا في الكوفة نبق ، وزن كلّ نبقة مثقالان ، فاستظرف الملك ذلك وكاد يكذبّه الحاضرون ، فلمّا قام ذكر ذلك لأبيه ، فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مئة حمام في رجلي كلّ واحد نبقتان من ذلك النبق ، فجاء النبق في بكرة الغد وحمل إلى عضد الدولة ، فاستحسنه وصدقّه ، ثم قال له : لعمري لقد صدقت ، ولكن لا تحدّث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب ، فليس كلّ وقت يتهيّأ لك إرسال الحمام ( 1 ) . قلت : هو كما ترى ، فكلامه عليه السّلام أنهّ لا يجوز للإنسان أن يحدّث بجميع مسموعاته ممّا لا شاهد لصدقه لأن أكثرها كذب فإذا حدث كذب ، وما قاله شيء آخر وهو أنهّ لا ينبغي للعاقل أن يحدّث بكل ما رأى من الغرائب مخافة أن يكذبّه الناس مع صدقه فيحصل له استصغار كما هو مفاد تحديث العلوي . « ولا تردّ على الناس كلّ ما حدّثوك به » ولو كان غريبا ففي مخلوقاته تعالى عجائب . « فكفى بذلك جهلا » ففي العالم أشياء لم ترها أصلا فكيف تنكر وجودها بعدم رؤيتك ، وإنّما قال عليه السّلام لا تردّ كلّ ما حدثوك لأنّ من الأمور أمورا ممكنة ومنها أمورا ممتنعة قد قام البرهان على استحالتها ، فيجوز لك ردّ الممتنع دون الممكن كما في رد حضّار مجلس العضد لكلام العلويّ الممكن . « واكظم الغيظ » قال ابن أبي الحديد : روى أنّ عبدا لموسى بن جعفر عليه السّلام قدّم إليه صحفة فيها طعام حارّ ، فعجل فصبّها على رأسه ووجهه ، فغضب ، فقال العبد : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ( 2 ) قال : قد كظمت ، قال وَالْعافِينَ عَنِ

هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 45 - 46 .
( 2 ) آل عمران : 134 .