قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم بغير ما في كتاب اللّه ، إنّما قتله الصالحون ، المنكرون للعدوان ، الآمرون بالإحسان . فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين : لم قتلتموه فقلنا : لأحداثه . فقالوا : إنهّ ما أحدث شيئا . وذلك لأنه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ، واللّه ما أظنهم يطلبون دمه ، إنّهم ليعلمون إنهّ لظالم ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها ، وعلموا لو أن الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيه منها ، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ، ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا . . . ( 1 ) . وفيه : وقال هاشم بن عتبة المرقال لعلي عليه السّلام : سر بنا إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد اللّه بغير رضى اللّه ، فأحلّوا حرامه وحرّموا حلاله ، واستولاهم الشيطان ووعدهم الأباطيل ، ومنّاهم الأماني حتّى أزاغهم عن الهدى ، وقصد بهم قصد الردى ، وحبّب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها ، كرغبتنا في الآخرة . . . ( 2 ) . وما قاله عليه السّلام من أنهّ يأسى أن يلي أمر الامّة من يتخذ مال اللّه دولا ، وعباده خولا . . . أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل . فدخل أبو ذر على عثمان بعد إرسال معاوية له من الشام على قتب بغير وطاء وقد ذهب لحم فخذيه ، فقال عثمان : بلغني أنّك تقول : سمعت النبي يقول : إذا كملت بنو أبي العاص ثلاثين اتّخذوا عباد اللّه خولا ودين اللّه دغلا . فقال له : نعم ، سمعته يقول ذلك . فطلب منه شاهدا فشهد عليه السّلام له لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتّفق عليه في أبي ذر : ما أظلت الخضراء ولا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 433
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٣٣
هامش
( 1 ) وقعة صفّين : 319 .
( 2 ) المصدر نفسه : 112 .