فأتيناه فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت ، وبين يديه نطاع قد بسطت ، وبين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق ، فأومأ إلينا ، فجلسنا . فأطرق عنّا ، ثمّ رفع رأسه إلى ابن طاوس فقال : حدّثني عن أبيك . فقال : نعم ، حدّثني أبي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله » ، فأمسك ساعة ، ثمّ ضممت ثيابي من ثياب ابن طاوس مخافة أن يملأني من دمه . ثمّ التفت إليه ، فقال له : عظني . قال : نعم ، يقول اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . . . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 1 ) ، فأمسك ساعة ، ثمّ قال : يا بن طاوس ناولني هذه الدواة . فأمسك عنه ، ثمّ قال : ناولني هذه الدواة . فأمسك عنه ، فقال : ما يمنعك أن تناولنيها قال : أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها . فلمّا سمع ذلك قال : قوما عنّي . فقال ابن طاوس له : ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاوس فضله ( 2 ) . « فاترك في أيديهم ما خافوك عليه » من دنياهم ولا تشاركهم فيها فتكون مثلهم ، وفي ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : أنّ قوما ممّن آمن بموسى قالوا : « لو أتينا عسكر فرعون وكنّا فيه ، ونلنا من دنياه فإذا كان الذي نرجو من ظهور موسى عليه السّلام صرنا إليه » ففعلوا . فلمّا توجهّ موسى عليه السّلام ومن معه هاربين من فرعون ، ركبوا دوابّهم ، وأسرعوا في السير ليلحقوا موسى عليه السّلام وعسكره ليكونوا معهم ، فبعث اللّه عزّ وجلّ ملكا ، فضرب وجوه دوابّهم فردّهم إلى عسكر فرعون فكانوا في من غرق مع فرعون . وقال لهم : حقّ على اللّه تعالى أن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 296
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٩٦
هامش
( 1 ) الفجر : 6 - 14 .
( 2 ) العقد الفريد 1 : 52 - 53 ، ونقله الشارح بتصرّف وتلخيص .