ففي ( صفين نصر بن مزاحم ) : قام عمّار بصفّين فقال : امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه ، إنّما قتله الصالحون ، المنكرون للعدوان ، الآمرون بالإحسان ، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين : لم قتلتموه فقلنا : لأحداثه ، وذلك لأنهّ مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال . واللّه ما أظنّهم يطلبون دمه . إنّهم ليعلمون إنهّ لظالم ، ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها واستمروها ، وعلموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيه منها ، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ، ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا . . . ( 1 ) . كما أنّ أعمال أبي ذرّ وعمّار وأمثالهما كانت موجبة ليأس أعداء اللّه من نيل خلافة اللّه ، فمنعهم عثمان بالضرب والكسر والحبس والنفي لاستحكام طمعهم . وأمّا ما أنشده ابن أبي الحديد لحمل أفعال إمامه على الصحّة ، والإغماض عمّا فيها من قول الشاعر ( 2 ) ، فلم يقله الشاعر لبناء الدين وتصنّع إمام له ، بل في المصاحبات الدّنيوية ، فلا مناسبة لما أنشده من الشعر ، وإنّما المناسب للمقام تلاوة قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ . . . ( 3 ) بالتمثيل . وقول ابن أبي الحديد نظير قول زيد بن ثابت - وكان مع عثمان يوم
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 292
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٩٢
هامش
( 1 ) وقعة صفّين : 319 ، شرح ابن أبي الحديد 5 : 252 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 262 .
( 3 ) التوبة : 31 .