معذوريتّه على صدقه وكذبه ( 1 ) . ثمّ العجب من الطبري كيف ترك روايات الواقدي والمدائني والثقفي وغيرهم من أهل النقل الموثوق بهم ، واقتصر على روايات السريّ عن شعيب ، عن سيف التي كلّها كذب قطعيّ مخالف لجميع السير ، فإذا كان عثمان بتلك الدرجة من العدالة حتّى يعظ أبا ذرّ بأن لا يتعرّب بعد الهجرة ، ولا يؤذي الناس بغير حقّ ، لم قال الطبري نفسه في عنوان دفن عثمان - ودفن كلّ مسلم واجب - : نبذ عثمان ثلاثة أيّام لم يدفن ، ولم يشهد جنازته إلّا مروان وثلاثة من مواليه ، وأخذ الناس الحجارة ، وقالوا : نعثل نعثل ( 2 ) ومن الغريب أنّ ياقوتا قال في عنوان الربذة : كان أبو ذرّ خرج إليها مغاضبا لعثمان ، فأقام بها إلى أن مات في سنة ( 32 ) ( 3 ) . فالطبري وإن اقتصر في نقل الروايات على رواية السري ، إلّا أنهّ قال : وأمّا الآخرون ، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة ، وأمورا شنيعة ، كرهت ذكرها ( 4 ) . فأشار إلى الحقيقة ، وأقرّ بأنهّ أخذ جانب العصبيّة ، لكنّ ياقوتا أرسل المطلب إرسالا مسلّما . فهل الرجل أنصب من الجاحظ ، الذي يصحّ من درجة نصبه أن يعدّ في عداد بني أميّة فقد عرفت أنهّ قال في ( سفيانيتّه ) : إنّ عثمان كتب إلى معاوية أن يحمل أبا ذرّ على أغلظ مركب وأوعره ، ففعل ما أمره به ، حتّى سقط لحم فخذيه في الطريق ، ولم يخلهّ عثمان يذهب إلى البصرة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٩٠
هامش
( 1 ) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1155 ، الإمامة والسياسة 1 : 40 ، الجمل للمفيد : 140 - 141 .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 412 ، سنة 35 .
( 3 ) معجم البلدان 3 : 24 .
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 286 ، سنة 30 .