تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧

معاوية : هذه نزلت في أهل الكتاب . فقلت : فيهم وفينا . فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك ، فكتب إليّ أن أقدم ، فقدمت ، فانثال الناس إليّ كأنّهم لم يعرفوني ، فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرني وقال : انزل حيث شئت . فنزلت الربذة . قال : وروى أبو علي أيضا : أنّ معاوية كتب يشكوه وهو بالشام ، فكتب إليه عثمان : أن صر بالمدينة . فلمّا صار إليها ، قال له : ما أخرجك إلى الشام قال : إنّي سمعت النّبيّ يقول : « إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فأخرج منها » ، فلذلك خرجت . فقال : أيّ البلاد أحبّ إليك بعد الشام قال : الربذة . فقال : صر إليها ( 1 ) . ثم قال ابن أبي الحديد : وهذه الأخبار وإن كانت قد رويت ، لكنّها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الأخبار ، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظن بفعله : إنهّ خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين ، فيغلب على ظنهّ أنّ إخراج أبي ذرّ إلى الربذة أحسم للشّغب ، وأقطع لأطماع من يشرئبّ إلى شقّ العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة ، ومثل ذلك يجوز للإمام . وهكذا يقول أصحابنا المعتزلة ، وهو الأليق بمكارم الأخلاق ، فقد قال الشاعر :

إذا ما أتت من صاحب لك زلّة * فكن أنت محتالا لزلتّه عذرا

وإنّما يتأوّل أصحابنا حال من يحتمل التأويل كعثمان ، فأمّا من لا يحتمل حاله التأويل ، وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه ، فإنّهم لا يتأوّلون لهم ، إذا كانت أعمالهم وأفعالهم لا وجه لتأويلها ، ولا تقبل العلاج ( 2 ) . قلت : شيخ تاريخهم الطبري تأوّل لمعاوية أيضا ، فقال : وفي سنة ( 30 ) كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية ، وإشخاص معاوية إياّه من الشام ، وقد

هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 261 .
( 2 ) المصدر نفسه 8 : 261 - 262 .