فأعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ، فإنّما هم بغوا عليك ، فلا عهد لهم .
فأرسل إلى عليّ عليه السّلام فلمّا جاءه قال : يا أبا الحسن ، إنهّ قد كان من الناس ما قد رأيت ، وكان منّي ما قد علمت ، ولست آمنهم على قتلي ، فأرددهم عنّي ، فإنّ لهم عهد اللّه عزّ وجلّ أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون ، وأن أعطيهم الحقّ من نفسي ومن غيري ، وإن كان في ذلك سفك دمي .
فقال له عليّ عليه السّلام : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإنّي لأرى قوما لا يرضون إلّا بالرضا ، وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهدا من اللّه : لترجعنّ عن جميع ما نقموا ، فرددتهم عنك ، ثمّ لم تف لهم بشيء من ذلك ، فلا تغرّني هذه المرّة من شيء فإنّي معطيهم عليك الحقّ . قال : نعم ، فأعطهم ، فو اللّه لأفينّ لهم .
فخرج عليّ عليه السّلام إلى الناس ، فقال : أيّها الناس ، إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه ، وإنّ عثمان قد زعم أنهّ منصفكم من نفسه ومن غيره ، وراجع عن جميع ما تكرهون ، فاقبلوا منه ووكّدوا عليه .
قال الناس : ( قد ) قبلنا فاستوثق لنا منه ، فإنّا واللّه لا نرضى بقول دون فعل . فقال لهم : ذلك لكم . ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر ، فقال له عثمان : اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة ، فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد . فقال له علي عليه السّلام : ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه . قال : نعم ، ولكن أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام . قال عليّ عليه السّلام : نعم ، فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك ، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجلّه فيه ثلاثا ، على أن يردّ كلّ مظلمة ، ويعزل كلّ عامل كرهوه ، ثمّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق ، وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار ، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 239
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٣٩