خالتي ، لم يبلغني عنك شيء احبهّ ولا شيء أكرهه ، أنت لا عليّ ولا لي ، وقد علمت أنّك رأيت بعض ما رأى الناس ، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا ، وقد أحببت أن تعلمني رأيك في ما بيني وبينك فأعتذر . فقال له ابن عبّاس : واللّه لوددت أنّك لم تفعل ما فعلت ممّا ترك الخليفتان قبلك ، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنهّ ليس لهما علمت أنهّ ليس لك كما لم يكن لهما ، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك ، تركته لما تركاه له ، ولمن يكونا أحقّ بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك ، قال : فما منعك أن تشير عليّ بهذا قبل أن أفعل ما فعلت قال : وما علمي أنّك تفعل ذلك قبل أن تفعل قال : فهب لي صمتا حتّى ترى رأيي ( 1 ) . وروى الطبري : أنّ محمّد بن أبي بكر لمّا قعد على صدر عثمان لقتله ، وأخذ لحيته ، قال له عثمان : ما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه . فقال له محمّد بن أبي بكر : لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك ( 2 ) . وروى الزبير بن بكّار أنّ عمر لمّا أتى بجوهر كسرى ، وضع في المسجد ، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر ، فقال لخازن بيت المال : ويلك ( ويحك ) أرحني من هذا ، واقسمه بين المسلمين ، فإنّ نفسي تحدّثني أنهّ سيكون في هذا بلاء وفتنة بين الناس . فقال : إن أقسمته ( قسمته ) بين المسلمين لم يسعهم ، وليس أحد يشتريه ، لأنّ ثمنه عظيم ، ولكن تدعه إلى قابل ، فعسى اللّه أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه . قال : ارفعه وأدخله بيت المال .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 226
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٢٦
هامش
( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 29 - 31 ، ونقله الشارح بتلخيص .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 393 ، سنة 35 .