تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وفي ( المروج ) : حجّ عبد الملك في بعض أعوامه ، فأمر للناس بالعطاء ، فخرجت بدرة مكتوب عليها « من الصدقة » فأبى أهل المدينة من قبولها وقالوا : إنّما كان عطاؤنا من الفيء . فقال عبد الملك وهو على المنبر : يا معشر قريش ، مثلنا ومثلكم أنّ أخوين خرجا مسافرين ، فنزلا في ظلّ شجرة تحت صفاة ، فلمّا دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حيّة تحمل دينارا فألقته إليهما ، فقالا : إنّ هذا لمن كنز ، فأقاما عليها ثلاثة أيّام ، كلّ يوم تخرج إليهما دينارا ، فقال أحدهما لصاحبه : إلى متى ننتظر هذه الحيّة ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه فنهاه أخوه ، وقال : ما تدري لعلّك تعطب ولا تدرك المال . فأبى عليه ، وأخذ فأسا وصرد الحيّة حتّى خرجت ، فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها ، فثارت الحيّة فقتلته ، ورجعت إلى جحرها ، فقام أخوه فدفنه ، وأقام حتّى إذا كان الغد خرجت الحيّة معصوبا رأسها ليس معها شيء ، فقال لها : يا هذه ، إنّي واللّه ما رضيت ما أصابك ، ولقد نهيت أخي عن ذلك ، فهل لك أن نجعل اللّه بيننا أن لا تضرّيني ولا أضرّك ، وترجعين إلى ما كنت عليه قالت الحيّة : لا . قال : ولم قالت : لأنّي أعلم أنّ نفسك لا تطيب لي أبدا ، وأنت ترى قبر أخيك ، ونفسي لا تطيب لك أبدا وأنا أذكر هذه الشجّة ، وأنشدهم - أي عبد الملك - شعر النابغة في ذلك :
فقالت أراه ( أرى ) قبرا تراه مقابلي * وضربة فأس فوق رأسي فاغرة ( فاقره )
يا معشر قريش ، وليكم عمر فكان فظّا غليظا مضيّقا عليكم ، فسمعتم له وأطعتم ، ثمّ وليكم عثمان فكان سهلا فعدوتم عليه فقتلتموه ، وبعثنا عليكم مسلما يوم الحرّة فقتلناكم ، فنحن نعلم يا معشر قريش ، أنّكم لا تحبّوننا أبدا