قتلت ناصرك ، واستنصرت واترك ( 1 ) فايم اللّه لأرمينّك بشهاب تذكيه الريح ولا تطفئه الماء ، فإذا وقع وقب ( 2 ) ، وإذا مسّ ثقب ، فلا تحسبنّني كسحيم ، أو عبد القيس ، أو حلوان الكاهن » كتب عليه السّلام إليه : ( ما قتل ابن عمّك غيرك ، وإنّي أرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته ) ( 3 ) . غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول : « خذله من أنا خير منه » ، ومن خذله لا يستطيع أن يقول : « نصره من هو خير منّي » . « فمن نصره » كان مروان بن الحكم ، والمغيرة بن الأخنس ونظراؤهما من المنافقين ، و « من خذله » كان منهم أجلّاء المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، فناصره لا يمكنه لوضوح فسقه ادّعاء كونه خيرا من خاذله ، كما أنّ خاذله لثبوت تدينّه لا يمكنه الإقرار على نفسه بكون ناصره خيرا منه . وهذا الكلام - ككلامه الأوّل المشتمل على عدم نهيه عليه السّلام عن قتله ، مع كونه عليه السّلام آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر باتّفاق المؤالف والمخالف - دالّ على باحة قتله ، فإنّ حقّ الأمور وباطلها يعلمان من متصدّيها ، فإذا كان ناصره لا يستطيع أن يدّعي تلك الدعوى ، وخاذله لا يستطيع أن يقرّ ذاك الإقرار ، يفهم أنّ جواز قتله كان بمثابة من الوضوح الذي لا يعتريه مرية ، وكيف لا وقاتلوه من الأجلّة الذين اعترف المخالف بجلالهم ، مثل عمّار الذي يكفي في جلاله قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواتر فيه : « عمّار تقتله الفئة الباغية » ( 4 ) . وقد أقرّ عمّار كما
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 193
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٩٣
هامش
( 1 ) يقال : وتر فلانا : أي قتل حميمه ، وأفزعه ، وكلّ من أدركته بمكروه فقد وترته . ( لسان العرب 15 : 205 مادة : وتر ) .
( 2 ) وقب الشيء يقب وقبا ، أي : دخل . ( الصحاح 1 : 234 ، مادة : وقب ) .
( 3 ) العقد الفريد لابن عبد ربه 5 : 82 .
( 4 ) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة . نذكر هنا أهمّ المصادر التي نقلت ذلك ، حسب الترتيب التاريخي : وقعة صفين : 324 و 326 ، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري : 625 ، سيرة ابن هشام 2 : 142 ، الطبقات الكبرى 1 : 241 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 188 ، تاريخ الطبري 10 : 59 ، العقد الفريد 5 : 89 ، عيون أخبار الرضا عليه السّلام ، مستدرك الحاكم 3 : 385 - 386 ، تاريخ بغداد 2 : 282 عن أبي قتادة و 7 : 414 عن عبد اللهّ بن عمر و 8 : 275 عن حذيفة و 11 : 218 عن عثمان بن عفّان و 13 : 187 عن أبي أيوب ، الخرائج والجرائح ، شرح ابن أبي الحديد 8 : 10 .