وبالجملة ، المعلوم عدم تصديّه عليه السّلام لقتله ، ولا أمره به . وأمّا رضاه به فأمر واضح ، ولذا لم ينه عنه ، وقد أقرّ بذلك عبيد اللّه بن عمر مع أنهّ أراد القصاص منه بهرمزان ففرّ منه إلى معاوية ، فروى نصر بن مزاحم : أنّ عبيد اللّه بن عمر لمّا قدم الشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص : أنّ اللّه قد أحيا لك عمر بالشام بقدوم عبيد اللّه ، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على عليّ بقتل عثمان . فقال : الرأي ما رأيت . فبعث إليه فأتى ، فقال له معاوية : يا بن أخ ، إنّ لك اسم أبيك ، فانظر بملء ء عينيك ، وتكلّم بكلّ فيك ، فأنت المأمون المصدّق فاشتم عليّا ، واشهد عليه أنهّ قتل عثمان . فقال : أمّا شتمه فإنهّ عليّ بن أبي طالب ، وأمهّ فاطمة بنت أسد بن هاشم ، فما عسى أن أقول في حسبه ، وأمّا بأسه فهو الشجاع المطرق . وأمّا أياّمه فما قد عرفت . ولكنّي ملزمه دم عثمان . فقال عمرو : إذن واللّه قد نكأت القرحة . فلمّا خرج عبيد اللّه قال معاوية : أما واللّه لولا قتله الهرمزان ، ومخافة عليّ على نفسه ما أتانا أبدا ، ألم تر إلى تقريظه عليّا فقال عمرو : يا معاوية ، إن لم تغلب فاخلب ( 1 ) . فخرج حديثه إلى عبيد اللّه ، فلمّا قام خطيبا تكلّم بحاجته ، حتّى إذا أتى إلى أمر عليّ عليه السّلام أمسك ، فقال له معاوية : يا بن أخ ، إنّك بين عيّ وخيانة فقال : كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان ، وعرفت أنّ الناس محتملوها عنّي . فهجره معاوية واستخفّ بحقهّ . فقال عبيد اللّه :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 144
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٤٤
معاوية لم أخرص بخطبة خاطب * ولم أك عيّا في لؤيّ بن غالب ( 2 )
هامش
( 1 ) قال الجوهري في الصحاح 1 : 122 : الخلابة : الخديعة باللسان ، وفي المثل : إذا لم تغلب فاخلب . أي : فاخدع . وقال الميداني في مجمع الأمثال 1 : 34 : يراد به الخدعة في الحرب ، كما قيل : نفاذ الرأي في الحرب ، أنفذ من الطعن والضرب .
( 2 ) خرص يخرص خرصا ، وتخرص ، أي : كذب ، الصحاح 3 : 1035 ، مادة ( خرص ) .