وكانت العرب تسمي أصوات الجن « العزيف » وتقول : ان الرجل إذا قتل قنفذا وورلا لم يأمن الجن على فحل إبله ، وإذا أصاب إبله خطب أو بلاء حمله على ذلك . ويزعمون أنّهم يسمعون الهاتف بذلك ، ويقولون مثله في الجان من الحيّات وقتله عندهم عظيم . ورأى رجل منهم جانّا في قعر بئر لا يستطيع الخروج منها ، فنزل وأخرجه منها على خطر عظيم وغمض عينيه لئلّا يرى أين يدخل ، كأنهّ يريد بذلك التقرّب إلى الجن . وقال الجاحظ : وكانوا يسمّون من يجاور منهم الناس ( عامرا ) والجمع عمار ، فان تعرّض للصبيان فهو « روح » ، فان خبث وتعرم فهو « شيطان » ، فإن زاد على ذلك في القوة فهو « عفريت » ، فإن طهر ولطف وصار خيرا كلهّ فهو « ملك » ، ويفاضلون بينهم . ويعتقدون أن مع كلّ شاعر شيطانا ويسمّونهم بأسماء مختلفة ( 1 ) . قلت : وفي ( شعراء ابن قتيبة ) : راجز العجّاج على ناقة له كرماء وعليه ثياب حسان ، وخرج أبو النجم العجلي على جمل مهنوء وعليه عباء ، فأنشد العجّاج « قد جبر الدين الإله فجبر » وأنشد أبو النجم « تذكر القلب وجهلا ما ذكر » حتى بلغ قوله :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 112
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١١٢
هلكت فإن ضربت ثانية عاشت ، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله :
فقالت : ثنّ قلت لها رويدا * مكانك ، إنّني ثبت الجنان
إنّي وكلّ شاعر من البشر * شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
فما رآني شاعر إلّا استسر * فعل نجوم الليل عاين القمر
عيشي تميم واصغري فيمن صغر * وباشري بالبذلّ وأعطي من عشر
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 412 - 413 .