موسّد ولا ممهد ، قد فارقت الأحباب ، وسكنت التراب ، وواجهت الحساب ، غنيا عمّا خلقت ، فقيرا إلى ما قدمت . وقال الآخرون : هذا لم يكن ، ولا فارق عبد اللّه عليّا عليه السّلام ولا خالفه ، ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل علي ، قالوا : ويدل على ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي عليه السّلام وقد ذكرناه قبل ، قالوا وكيف يكون ذلك ولم يختدعه معاوية ولم يجره إلى جهته ، فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عماله عليه السّلام واستمالهم إليه بالأموال ، فمالوا وتركوا عليّا ، فما بال معاوية وقد علم النبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه ، وكلّ من قرأ السير وعرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي عليه السّلام فيما كان يلقاه من قوارع الكلام وشديده ، وما كان يثني به عليه عليه السّلام ، ويذكر خصائله وفضائله ، ويصدع به من مناقبه ومآثره ، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك ، بل كانت الحال بالضد . قال : وقد أشكل عليّ أمر هذا الكتاب ، فان أنا كذبت النقل وقلت هذا كلام موضوع عليه عليه السّلام خالفت الرواة ، فإنهم قد اطبقوا على رواية هذا الكلام عنه وقد ذكر في أكثر كتب السير ، وان صرفته إلى عبد اللّه صدني عنه ما أعلم من ملازمته لطاعته عليه السّلام في حياته ، وان صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه ، فانا في هذا الموضع من المتوقفين ( 1 ) . قلت : المصنّف أيضا كأنه توقف حيث قال هنا : وفي كتاب قبله قد ذكرناه في العنوان السابق « ومن كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله » ولم يقل « إلى ابن عباس » ، مع انهّ رأى أن من نقل الكتابين عيّنهما في عبد اللّه .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 88
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٨٨
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 169 - 172 .