وقالوا : الحكمة وضع كلّ شيء موضعه ، والعقل هو الذي يضع الأشياء مواضعها . « وإيّاك والاستئثار » أي : الاستبداد . « بما النّاس فيه أسوة » أي : سواء ، أي : جعله اللّه لعامة عباده كالكلأ ، وقد حمى عثمان الكلأ الذي حول المدينة لنفسه وهو أحد مطاعنه . وفي ( خلفاء ابن قتيبة ) : اجتمع ناس من الصحابة فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف عثمان من السنة - إلى أن قال فيها - وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة . وقال : قال له رجل من المهاجرين يا عثمان أرأيت ما حميت عن الحمى آللهُّ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ( 1 ) . هذا ، واستشهد ابن أبي الحديد لكلامه : « وإيّاك والاستئثار بما الناس فيه أسوة » بأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لمّا غنائم من خيبر غنائم ، ركب راحلته وسار ، فتبعه الناس يطلبون قسمتها ، فمرّ بشجرة فخطفت رداءه ، فالتفت إليهم وقال : ردّوا عليّ ردائي ، فلو ملكت بعدد رمل تهامة مغنما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ، ونزل وقسّم ذلك المال عن آخره عليهم كلهّ ، لم يأخذ لنفسه وبرة ( 2 ) . وهو كما ترى لا ربط له ، فإن الغنائم ليس الناس فيها أسوة بل خمس منها للنبي صلّى اللّه عليه وآله وأقربائه وأربعة أخماس منها للمجاهدين ، والنبي ما استأثر على الناس بسهامهم بل آثرهم بسهم نفسه .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 640
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦٤٠
ما ان رأيت ولا سمعت به * كاليوم هاني أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب
هامش
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة 1 : 32 و 33 . والآية 59 من سورة يونس .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 116 .