وفيه في سير العجم : ان فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو أخشنوار ملك الهياطلة ببلخ ، فلما انتهى إلى بلاده اشتد رعب اخشنواز . فناظر أصحابه في أمره ، فقال له رجل منهم : أعطني موثقا وعهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم ، ثم اقطع يدي ورجلي والقني على طريق فيروز حتى يمرّ بي هو وأصحابه فأكفيك مئونتهم وأورّطهم مورطا تكون فيه هلكتهم . فقال له اخشنواز : وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت هلكت ولم تشركنا في ذلك قال : إنّي قد بلغت ما كنت أحب أن أبلغه من الدنيا وأنا موقن بأن الموت لا بدّ منه فأحبّ أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني والنكاية في عدوي فيشرف بذلك عقبي وأصيب سعادة وحظوة فيما أمامي . ففعل به ذلك وأمر به فألقي حيث وصف له ، فلمّا مرّ به فيروز سأله عن أمره ، فأخبره ان اخشنواز فعل ذلك وقال له : إنّي احتلت حتى حملت إلى هذا الموضع لأدلك على عورته وغرتّه ، إنّي أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى فلا يشعر اخشنواز حتى تهجموا عليه فينتقم اللّه لي منه بكم فليس في هذا الطريق إلّا تفويز يومين ثم تفضون إلى كلّ ما تحبّون . فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه ، فخالفهم وسلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ، ثم بيّن لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلّا عدّة يسيرة فإنّهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدون لهم ، فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضرّ والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم ( 1 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 619
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦١٩
هامش
( 1 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 : 117 .