تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ولطف به ، فدفع إليه الكتاب ، فجعل يتأمله ويضحك ، فلما فرغ وضعه تحت قدمه ثم قال : حسبك يا مغيرة ، فاني اطّلع على ما في ضميرك ، وقد قدمت من سفرة بعيدة ، فقم وأرح ركابك . قال : أجل . فدع عنك اللجاج ، وارجع إلى قومك ، وصل أخاك ، وانظر لنفسك ، ولا تقطع رحمك . قال زياد : اني رجل صاحب أناة ، ولي في أمري روية ، فلا تعجل علي ولا تبدأني بشيء حتى أبدأك . ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة ، فصعد المنبر ثم قال : أيها الناس ادفعوا البلاء عنكم ما اندفع عنكم ، وارغبوا إلى اللّه في دوام العافية لكم ، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان وفكرت فيهم ، فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يذبحون ، ولقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل ويوم صفين ما ينيف على مائة ألف ، كلّهم يزعم انهّ طالب حق وتابع امام وعلى بصيرة من أمره ، فإن كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة كلا ليس كذلك ، ولكن أشكل الأمر ، والتبس على القوم ، واني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ ، فكيف لامرئ بسلامة دينه ، وقد نظرت في أمر الناس ، فوجدت أحمد العاقبتين العافية ، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته ، فقد حمدت طاعتكم . ثم نزل وكتب جواب الكتاب : أما بعد فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة وفهمت ما فيه ، فالحمد للهّ الذي عرّفك الحق ، وردّك إلى الصلة ، ولست ممن يجهل معروفا ولا يغفل حسبا ، ولو أردت أن أجيبك بما أوجبته الحجة ، واحتمله الجواب لطال الكتاب ، وكثر الخطاب ، ولكنك ان كان كتابك هذا عن عقد صحيح ونيّة حسنة ، وأردت بذلك برا فستزرع في قلبي مودة وقبولا ، وان كنت انما أردت مكيدة ومكرا وفساد نيّة فان النفس تأبى ما فيه العطب ، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعيى به الخطيب المدره ، فتركت من حضر لا أهل ورد ولا صدر كالمتحيرين بمهمة ضلّ بهم الدليل ، وأنا على أمثال ذلك قدير .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 58 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )