رجل ثاقب الرأي ، ماضي العزيمة ، جوال الفكرة ، مصيب إذا رمى ، وقد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيّا ، وأخشى ممالأته حسنا ، فكيف السبيل إليه ، وما الحيلة في اصلاح رأيه قال المغيرة : أنا له ان لم أمت ، ان زيادا رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر ، فلو لا طفته المسألة وألنت له الكتاب لكان لك أميل وبك أوثق ، فاكتب إليه وانا الرسول ، فكتب إليه : من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان ، أما بعد فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب ، وانك للمرء المضروب به المثل ، قاطع الرحم ، وواصل العدو ، حملك سوء ظنّك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي ، وقطعت رحمي ، وبتتت نسبي وحرمتي ، حتى كأنّك لست أخي ، وليس صخر بن حرب أباك وأبي ، وشتان ما بيني وبينك ، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني ، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء .
فكنت كتاركة بيضها بالعراء * وملحفة بيض أخرى جناحا
وقد رأيت أن أعطف عليك ، ولا اؤ اخذك بسوء سعيك ، وان أصل رحمك ، وابتغي الثواب في امرك ، فاعلم أبا المغيرة لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلّا بعدا ، فان بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع ، وقد أوثق للذبح ، فارجع إلى أصلك ، واتصل بقومك ، ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره ، فقد أصبحت ضال النسب ، ولعمري ما فعل بك ذلك إلّا اللجاج ، فدعه عنك ، فقد أصبحت على بينة من أمرك ، ووضوح من حجتك ، فان أحببت جانبي ووثقت بي فامرة بامرة ، وان كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل لا عليّ ولا لي .
فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس ، فلما رآه زياد قربه وأدناه