أمور رعيته ، وأقطع الضّياع لخواصه ومن لاذ به من خدمه وحاشيته ، فخربت الضّياع وخلت من عمّارها ، فقلّت العمارة إلّا ما أقطع من الضياع وسقطت عنهم المطالبة والخراج بممايلة الوزراء وخواص الملك ، وكان تدبير الملك مفوّضا إلى وزرائه ، فخربت البلاد وقلّ ما في بيوت الأموال فضعف القويّ من الجنود وهلك الضعيف منهم ، فلمّا كان في بعض الأيام ركب الملك إلى بعض متنزهاته وصيده فجنهّ الليل وهو يسير نحو المدائن - وكانت ليلة قمراء - فدعا بالموبذان لأمر خطر بباله فلحق به وسايره وأقبل على محادثته مستخبرا له عن سير أسلافه ، فتوسطوا في مسيرهم خرابات كانت من امّهات الضّياع قد خربت في مملكته ولا أنيس بها إلّا البوم ، وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه من بعض تلك الخرابات ، فقال الملك للموبدان : أترى أحدا من الناس أعطي فهم منطق هذا الطير المصوّت في هذا الليل الهادي ء .
فقال له الموبدان : أنا ممّن خصه اللّه بفهم ذلك ، فقال له : فما يقول هذا الطائر وما الذي يقول الآخر قال الموبدان : هذا بوم ذكر يخاطب بومة ويقول لها : أمتعيني من نفسك حتى يخرج منّا أولاد يسبّحون اللّه ويبقى لنا في هذا العالم عقب يكثرون ذكرنا والترحّم علينا ، فأجابته البومة : إن الذي دعوتني إليه هو الحظّ الأكبر إلّا أنّي اشترط عليك خصالا . قال : وما تلك قالت : أولاها أن تعطيني من خرابات امّهات الضياع عشرين قرية ممّا قد خرب في أيام هذا الملك السعيد . فقال له الملك : فما الذي قال لها الذكر قال : قال : إن دامت أيام هذا الملك السعيد أعطيتك ممّا يخرّب من الضياع ألف قرية فما تصنعين بها قالت : نقطع كلّ واحد من أولادنا قرية من هذه الخرابات . قال لها : هذا أسهل أمر فهاتي ما بعد ذلك . فلمّا سمع الملك هذا الكلام من الموبذان استيقظ من نومه وفكّر فيما خوطب به ، فنزل من ساعته وخلا بالموبذان فقال له : أيّها القيّم بالدّين
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 564
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٦٤