( وفيه ) : كان أنوشروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه ، فإذا أتي بالعهد وقع فيه « سس خيار الناس بالمحبة وأخرج للعامة الرغبة بالرهبة ، وسس سفلة الناس بالإخافة » ( 1 ) . وفي ( المروج ) : كتب ملك الروم إلى سابور الجنود بن اردشير : بلغني من سياستك لجندك وضبطك ما تحت يدك وسلامة أهل مملكتك بتدبيرك ما أحببت أن أسألك فيه طريقتك واركب مناهجك . فكتب إليه سابور : نلت ذلك بثمان خصال : لم أهزل في أمر ولا نهي قطّ ، ولم اخلف وعدا ولا وعيدا قطّ ، وحاربت للغنى لا للهوى ، واجتلبت قلوب الناس مقة بلا كره وخوفا بلا مقت ، وعاقبت للذنب لا للغضب ، وعممت بالقوت ، وحسمت الفضول . ( وفيه ) : أحضر يزدجرد بن بهرامجور رجلا من حكماء عصره في أقاصي مملكته وقال له : أيّها الحكيم الفاضل ما صلاح الملك فقال : ألرّفق بالرعيّة ، وأخذ الحق منهم من غير مشقة ، والتودّد إليهم بالعدل ، وأمن السبل ، وإنصاف المظلوم من الظالم . فقال له : فما صلاح أمر الملك فقال : وزراؤه وأعوانه ، فإنّهم إن صلحوا صلح ، وان فسدوا فسد . فقال له : فما الذي يشبّ الفتن وينشئها وما الذي يسكّنها ويدفنها قال : يشبها ضغائن وجرأة العامة والاستخفاف بالخاصة ، وانبساط الألسن بضمائر القلوب واشفاق موسر وأمل معسر ، وغفلة ملتذّ ويقظة محروم ، والذي يسكّنها أخذ العدّة لمّا يخاف قبل حلوله وإيثار الجد حين يلتذ الهزل ، والعمل بالحزم في الغضب والرضا ( 2 ) . « واعلم أنّ الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلّا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 523
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٢٣
هامش
( 1 ) عيون الأخبار 1 : 61 - دار الكتب العلمية - بيروت .
( 2 ) مروج الذهب 1 : 273 و 288 - 289 .