كلّ رجل منهم كورة واحدة وبلدا واحدا فإنّك تشغلهم بذلك بتنافسهم في الملك وحرص كلّ واحد منهم على أخذ ما في يدي صاحبه عن أملاك بلادك ، فتلقي بأسهم بينهم وتجعل شغلهم بأنفسهم ، فقبل الإسكندر ذلك منه وفعله وهم الذين يقال لهم ملوك الطوائف ( 1 ) . وفي ( وزراء الجهشياري ) : كان أرسطاطاليس أدّب الإسكندر ، فلمّا نشأ الإسكندر وعلا وعرف من أرسطاطاليس ما عرفه من الحكمة كان شبه الوزير له وكان يعتمد عليه في الرأي والمشورة ، فكتب إليه يخبره أنهّ قد كثر في خواصهّ وعسكره قوم ليس يأمنهم على نفسه لمّا يرى من بعد هممهم وشجاعتهم وشذوذ آلتهم وليس يرى لهم عقولا تفي بهذه الفضائل التي فيها بقدر هممهم ، فكتب إليه أرسطاطاليس : فهمت ما ذكرت عن القوم الذين ذكرت ، فأمّا هممهم فمن الوفاء بعد الهمّة ، وأمّا ما ذكرت من شجاعتهم مع نقص عقولهم فمن كانت هذه حاله فرفهّه في العيش واخصصه بحسان النساء ، فإن رفاهية العيش توهي العزم وإن حبّ النساء يحبب السلامة ويباعد من ركوب المخاطرة ، وليكن خلقك حسنا تستدعي به صفو النيات واخلاص المقالات ، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط أصحابك مثله ، فليس مع الاستيثار محبة ولا مع المواساة بغضة . وفي ( عيون ابن قتيبة ) : قرأت كتابا من أرسطاطاليس إلى الإسكندر : املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها ، فإنّ طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك ، واعلم أنك إنّما تملك الأبدان ، فتخطّها إلى القلوب بالمعروف واعلم أنّ الرعيّة إذا قدرت على أن تقول ، قدرت على أن تفعل ، فاجهد أن لا تقول ، تسلم من أن تفعل .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 522
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٢٢
هامش
( 1 ) الأخبار الطوال : 38 .