« ثم ليكن آثرهم » أي : أكثرهم مختارا . « عندك أقولهم بمرّ الحق لك » في ( العقد ) قال مالك ابن أنس : بعث المنصور إليّ وإلى ابن طاوس ، فأتيناه ودخلنا عليه فإذا هو جالس على فرش قد نضدت وبين يديه نطاع قد بسطت وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق ، فأومى إلينا أن اجلسا ، فجلسنا فأطرق عنّا قليلا ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال له : حدثني عن أبيك . قال : نعم ، سمعت أبي يقول : قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله ، فأمسك ساعة ، قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه . ثم التفت إليه فقال : عظني . قال : نعم إنّ اللّه تعالى يقول : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . . . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 1 ) . قال مالك فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأ ثيابي من دمه ، فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبينه ، ثم قال : يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة ، فأمسك عنه ثم قال ناولني هذه الدواة ، فأمسك فقال : ما يمنعك أن تناولنيها ، قال : أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها . فلمّا سمع ذلك قال : قوما عنّي . فقال ابن طاوس : ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاوس فضله ( 2 ) . « وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع » وزاد في ( رواية التحف ) : « فإنّهم يقفونك على الحق ، ويبصّرونك ما يعود عليك نفعه » ( 3 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 513
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥١٣
هامش
( 1 ) الفجر : 6 - 14 .
( 2 ) العقد الفريد 1 : 52 - دار الكتب العلمية - بيروت .
( 3 ) تحف العقول : 130 .