تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨

ابتلاه بالفقر في ملكه ( 1 ) . ( وفيه ) قرأ الهيثم عند المنصورالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ ( 2 ) فقال : لولا أن الأموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما وزينهما ، ما بتّ ليلة وأنا أحرز منه درهما ولا دينارا ، لمّا أجد من اللّذاذة لبذل المال ، ولمّا أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة ( 3 ) . وقال الشاعر :

من ظن باللهّ خيرا جاء مبتدئا * والبخل من سوء ظن المرء باللهّ

وأمّا كون الجبن منشؤه أيضا سوء الظن باللهّ ، أنه يخال إن لم يحضر الجهاد لا يموت ، وقد ردّ تعالى عليهم في قوله : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلّا قَلِيلًا . قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ( 4 ) . وكان كسرى يقول : عليكم بأهل السخاء والشجاعة ، فإنّهم أهل حسن الظن باللهّ ، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرّ بخلهم ومذمّة الناس لهم وإطباق القلوب على بغضهم إلّا سوء ظنّهم بربّهم في الخلف ، لكان عظيما . وأما كون منشأ الحرص سوء الظن باللهّ ، فلأنه لو تيقّن أنه لا يصل إليه من الرزق إلّا ما قدّر اللّه تعالى له ، لم يحرص ، بل الحرص كالحسد والكبر أحد أصول الكفر باللهّ . وفي ( عيون ابن قتيبة ) : لمّا قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا : إذا كان القدر حقا فالحرص باطل . وقال عدي بن زيد :

هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 8 : 81 ، دار سويدان ، بيروت .
( 2 ) النساء : 37 ، الحديد : 24 .
( 3 ) تاريخ الطبري 8 : 88 ، دار سويدان ، بيروت .
( 4 ) الأحزاب : 16 - 17 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 508 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )