قلت : مورد كلام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الرزق المقدّر ، ومورد كلامه عليه السّلام كلّ أمر مقدّر لا خصوص الرزق كما قيل :
استقدر اللّه خيرا وارضينّ به * فبينما العسر إذ دارت مياسير
« التاجر مخاطر » قال ابن أبي الحديد هذا الكلام ليس على ظاهره بل له باطن ، وهو أنّ من مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السّيئة مثل قوله تعالى : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ( 1 ) فإنهّ مخاطر لأنهّ لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة ، كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات ، والمراد أنهّ لا يجوز للمكلّف أن يفعل إلّا الطّاعة أو المباح ( 2 ) . قلت : أين ربط ( التاجر مخاطر ) بآية خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ، وما ذكره من بيان المراد من قبيل ما قيل بالفارسية
« لفظ ميگوئى ومعنى ز خدا مى طلبي »
مع أن قوله « كما لا يؤمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات » تعبير غلط ، فقولهم : « لا يؤمن » إنّما يقال في مقام الخوف ، واحتمال تكفير السيئة بالعمل الصالح رجاء ، وإنّما الظاهر والمتبادر من قوله عليه السّلام « التاجر مخاطر » أن التاجر وإن يتّجر بقصد الربح إلّا انهّ لا يعلم هل يربح أم يخسر ، وكم تاجر خسر حتى هلك رأس ماله ، هذا هو المعنى المتبادر منه .
ويمكن أن يراد به المخاطرة من حيث الآخرة إذا لم يعرف مسائل المعاملة فتصدر منه معاملات غير مشروعة كالربا وغيره ، أو يحمله الحرص على الخيانة والكذب والبخس ، ففي ( الكافي ) عن الأصبغ : سمعت أمير
هامش
( 1 ) التوبة : 102 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 103 - 104 .