الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق لأنهّ علم أنهّ ليس له من الأمر معي شيء فودّ أنّي خرجت منها لتخلو له . . . ( 1 ) . وبالجملة ليس واحد مما ذكر شاهدا لكلامه عليه السّلام من نصح غير الناصح أحيانا وغش المستنصح ، ومن الشاهد للثاني ما في ( المروج ) وغيره : أنّ مروان الجعدي دعا إسماعيل بن عبد اللّه القشيري - وقد كان مروان وافى على الهزيمة إلى حران - فقال له : قد ترى ما جاء من الأمر وأنت الموثوق به ولا مخبأ بعد بؤس ، فما الرأي فقال إسماعيل : على ما أجمعت قال : على أن أرتحل بمواليّ ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب وأميل إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها وأكاتب صاحبها وأستوثق منه ، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم وليس هذا عارا بالملوك - فلا يزال يأتيني الخائف والهارب والطائع فيكثر من معي ولا أزال على ذلك حتى يكشف اللّه أمري وينصرني على عدوّي . قال إسماعيل : فلما رأيت أن ما أجمع عليه هو الرأي ورأيت آثاره ونكاياته في قوم من قحطان قلت : أعيذك باللهّ من هذا الرأي تحكم أهل الشرك في بناتك وحرمك وهم الروم ولا وفاء لهم ولا تدري ما تأتي به الأيام ، وان حدث عليك حادث وأنت بأرض النصرانية ضاع من بعدك ، ولكن اقطع الفرات ثم استنفر الشام جندا فإنّك في كنف وعزّة ، ولك في كل جند صنايع يسيرون معك حتى تأتي مصر فإنّها أكثر أرض اللّه مالا وخيلا ورجالا ، ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك ، فإن رأيت ما تحبّ انصرفت إلى الشام ، وإن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية . قال : صدقت . فقطع الفرات وواللهّ ما قطعه من قيس إلّا رجلان : أحدهما أخوه من الرضاعة ، ولم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئا بل غدروا به وخذلوه ، فلما اجتاز ببلاد قنّسرين والحاضر أوقعت تنوخ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 413
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤١٣
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 383 - دار سويدان - بيروت .