علمها فكأنهّ حاضرهم ، وإن الملوك ومن إليه الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور ورأوها مدونة يرويها خلف عن سلف ، وما أعقبت من سوء الذكر وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال ، استقبحوها وأعرضوا عنها ، وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم ، وأن ممالكهم وبلادهم عمرت وأموالها درّت ، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه وثابروا مضرة الأعداء وخلصوا بها من المهالك ، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك ، ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرا . ومنها ، ما يحصل من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه عواقبها ، فإنهّ لا يحدث أمر إلّا وقد تقدّم هو أو نظيره ، فيزداد بذلك عقلا ويصبح لأن يقتدى به أهلا . ومنها ، ما يتجمّل به الإنسان في المحافل من ذكر شيء من معارفها وطريفة من طرائفها ، فترى الأسماع مصغية إليه والوجوه مقبلة عليه . وأما الفوائد الأخروية : فمنها أن اللبيب إذا تفكّر فيها ورأى تقلّب الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها ، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم ، فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير ، زهد فيها وأعرض عنها ، وأقبل على التزود للآخرة ورغب في دار تنزهت عن هذه الخسائس . ومنها ، التخلّق بالصبر والتأسّي ، وهما من محاسن الأخلاق ، فإنّ العاقل إذا رأى أنّ مصائب الدنيا لم يسلم منها نبيّ مكرّم ولا ملك معظّم علم أنهّ يصيبه ما أصابهم ، ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد . . . ( 1 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 350
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٥٠
هامش
( 1 ) الكامل 1 : 6 - 9 بتلخيص .