كلّ تصبحّه المنية * أو تبيتّه بياتا ( 1 )
هذا ، وما أبعد البون بين هذا الرجل الذي هو سلطان الدين يصف نفسه بهذه الأوصاف وبين سلاطين الدنيا وعجبهم واغترارهم حتى ينسلخوا من الإنسانية ويدّعوا الربوبية ، فكتب قابوس بن وشمكير إلى أصبهد له هجره - كما في ديوان معاني العسكري - وكيف تهجر من تضاءلت الأرض تحت قدمه فصارت له في الانقياد كبعض خدمه ، إذا رأت منه هشاشة أعشبت ، وإن أحسّت منه بجفوة أجدبت ، وكيف تستغني عمّن خيله العزمات والأوهام وأنصاره الليالي والأيام ، من هرب منه أدركه مكائدها ومن طلبه وجده في مراصدها ، وكيف يعرض عمّن تعرض رفاهية العيش بإعراضه ، وتنقبض الأرزاق بانقباضه ، وأضاء نجم الإقبال إذا أقبل ، وأهلّ هلال المجد إذا تهلّل ، وكيف يزهى على من تحقر في عينه الدنيا وترى تحته السماء العلياء ، وقد ركب عنق الفلك واستوى على ذات الحبك ، فتبرجت له البروج وتكوكبت لعبادته الكواكب واستجارت بعزته المجرّة وآثرت لمحاسنه أوضاح الثريا ، بل كيف يهون من لو شاء عقد الهواء وجسم الهباء وفصل تراكيب الأشياء وألّف بين النار والماء ، وأخمد ضياء الشمس والقمر وكفاهما عناء السير والسفر ، وسد مناخر الزعازع وأطبق أجفان البروق اللوامع ، وقطع ألسنة الرعود بسيفه من الوعيد ونظم صوب الغمام نظم الفريد ، ورفع عن الأرض سطوة الزلازل وقضى ما يراه على القضاء النازل ، وعرض الشيطان بمعرض الإنسان وكحل العيون بصور الغيلان ، وأنبت العشب على البحار وألبس الليل ضوء النهار - إلى أن قال - فإنّي لو علمت أن الأرض لا تسف تراب قدمي لما وضعت عليها جانبا وان السماء لا تتوق إلى تقبيل
هامش
( 1 ) الأغاني 4 : 52 ، والبيت لأبي العتاهية .