تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
« وقريب القعر بعيد السبر » من سبرت الجرح : إذا نظرت ما غوره . في ( تاريخ بغداد ) : قال صافي الحرمي مولى المعتضد : مشيت يوما بين يديه وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إلى باب ( شغب ) أم المقتدر وقف يسمع ويطّلع من خلل في الستر ، فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن وبين يديه طبق فضة فيه عنقود في وقت فيه العنب عزيز جدا ، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى العنقود ، والمعتضد يتميّز غيظا ، فرجع ولم يدخل الدار ورأيته مهموما ، فقلت : يا مولاي ما سبب ما فعلته وما قد بان عليك فقال : يا صافي واللّه لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإنّ في قتله صلاحا للامّة . فقلت : يا مولاي حاشاه . أي شيء عمل ، يا مولاي العن إبليس . فقال : ويحك أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بد من موتي ، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي وسيجلسون ابني عليّا - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول للعلة التي به - يعني الخنازير التي كانت في حلقه - فيتلف عن قرب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ولا يجدون بعده أكبر من هذا فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل ، وساوى بينه وبينهم وشيء عزيز في العالم والشح على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه النسوان لقرب عهده بهن فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسّم العنب ، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور وتنتشر الأمور ، ويخرج الخوارج وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا . فقلت : بل يبقيك اللّه حتى يتأدّب بآدابك . قال : احفظ عني ما أقوله ، فكنت كلّما وقفت على رأس
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 229 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )