ثم قال الأشتر : ولكني قد رضيت بما صنع أمير المؤمنين عليه السّلام ، ودخلت فيما دخل فيه ، وخرجت مما خرج منه ، فإنه لا يدخل إلا في هدى وصواب ( 1 ) . وفيه أيضا : مشى القوم ليلة الهرير بعضهم إلى بعض بالسيف وعمد الحديد والأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة ، فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقدام على الّتي تليها ، فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا صلاة ، فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح والمعركة خلف ظهره ، وافترقوا على سبعين ألف قتيل ، ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى ، والأشتر يقول لأصحابه وهو يزحف بهم نحو أهل الشام : ازحفوا قيد رمحي هذا ، وإذا فعلوا قال : ازحفوا قاب هذا القوس ، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى ملّ أكثر الناس الاقدام ، فلما رأى ذلك قال : أعيذكم باللهّ أن ترضعوا الغنم سائر اليوم . ثم دعا بفرسه وركز رايته وخرج يسير في الكتائب ويقول : ألا من يشري نفسه للهّ ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق باللهّ - إلى أن قال - فلما رأي عليّ عليه السّلام جاء الظفر من قبل الأشتر أخذ يمده بالرجال ، وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف قد وضع مغفره على قربوس السرج وهو يقول : أصبروا ، فقال رجل في تلك الحال : أي رجل هذا لو كانت له نية . فقال له صاحبه : وأي نية أعظم من هذه ان رجلا فيما ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب ، وقد غلت هام الكماة وبلغت القلوب الحناجر ، وهو كما ترى جذعا يقول هذه المقالة : اللهم لا تبقنا بعد هذا ( 2 ) . « وهو مالك بن الحارث » بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 606
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦٠٦
هامش
( 1 ) وقعة صفين : 511 .
( 2 ) وقعة صفين : 475 - 480 ، والنقل بتقطيع .