« وقد رام » أي : طلب « أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على اللّه فأكذبهم » قد عرفت أن نصرا زاد بعده « ومتعهم قليلا ثم اضطرّهم إلى عذاب غليظ » ( 2 ) . ومراده عليه السّلام بالأقوام المتقدمون عليه ، فلم يكن قبل معاوية في ذاك العصر من رام أمرا بوصفه عليه السّلام غير الرجلين ، ولم يكن معاوية يعد نفسه دونهما ، فإنه من حيث النسب كان من بني عبد مناف الذين لم يكن في قريش أشرف منهم ، ومن حيث التدبير والسياسة كان فوقهما ، وكثيرا ما كان معاوية أيام عثمان في الدفاع عنه ، وكان عثمان مع معاوية وباقي بني أمية كنفس واحدة ، يجعل نفسه فوق تيم وعدي ، وأمير المؤمنين عليه السّلام وان كان يتقي من التصريح بالطعن فيهما عند العامة الا أنه يفعل ذلك بالتلويح لمعاوية ، فإن للخواصّ مكالماتهم عند أنفسهم غير مكالماتهم عند العوام يبدي كل منهم ما في نفسه للآخر ، وكل منهم يعرف الآخر واعتقاداته وآرائه ، وقد قال الحسن عليه السّلام في مجلس معاوية وخواصه للمغيرة : ان عمر عطل حد
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 587
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٨٧
فدخل الناس وأخذوا مجالسهم ، فدخل عمرو بن حريث ، فأجلسه معه على سريره ، ثم جاءت الموائد ، فأكلوا فقال عبد الملك : ما الذّ عيشنا لو دام ولكنا كما قال الأوّل :
وكلّ جديد يا اميم إلى بلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان
فلما فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر وعمرو بن حريث معه وهو يسأله لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت وعمرو يخبره فقال عبد الملك :
اعمل على مهل فإنك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كان ( 1 )
هامش
( 1 ) كامل ابن الأثير 4 : 331 ، سنة 71 .
( 2 ) وقعة صفين : 494 .