المأمون حديثه فاستطرفه وبقي زمانا يستعيده منّي ( 1 ) . ومن تناقضاته كاستقالته لنفسه وعقده لغيره أنهّ قال للعباس : إنّ الناس اختاروني عليهم واليا ، وما انفكّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامّة المسلمين ، يتّخذكم لجأ . فقال : له العباس : ما أبعد قولك إنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم اختاروك ومالوا إليك ، وما أبعد تسميتك خليفة رسوله تعالى من قوله خلّى رسوله على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك ( 2 ) . ويا عجبا بينا هو وصاحبه يطعنان على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في تأمير اسامة عليهما ويتخلّفان عن جيشه مع حثّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على تجهيزه ، ولعنه المتخلّف عنه ينفذه من قبله باسم إجراء أمر النبيّ . قال الجزري : بعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في محرم سنة ( 11 ) بعثا إلى الشام ، وأمرهم أسامة بن زيد مولاه ، وأمره أن يوطى ء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين . فتكلّم المنافقون في إمارته ، وقالوا : أمّر غلاما على جلّة المهاجرين والأنصار . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : إن تطعنوا في إمارته . فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، وإنهّ لخليق للإمارة ، وكان أبوه خليقا لها ، وأوعب مع اسامة المهاجرون الأولون منهم أبو بكر وعمر فبينما الناس على ذلك ابتدأ بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله مرضه - إلخ ( 3 ) . وهو وإن أجمل الطاعن إلّا أن المراد معلوم . فالمنافقون لم يكن لهم اعتقاد بالله ورسوله . فكيف يكون لهم اعتقاد بالمهاجرين والأنصار ، وإنّ الرجلين إذا كانا في مقام التسليم لله ورسوله كيف يغضب لهما غيرهما . وقال الجزري أيضا - بعد ذكر بيعة أبي بكر وارتداد جمع ، وإرادته إنفاذ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 90
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٩٠
هامش
( 1 ) تذكرة الخواص : 60 ، والنقل بتصرف يسير .
( 2 ) رواه اليعقوبي في تاريخه 2 : 125 ، والجوهري في السقيفة : 47 - 48 ، وغيرهما والنقل بتصرف يسير .
( 3 ) رواه ابن الأثير في الكامل 2 : 317 ، سنة 11 ، وايضأ الطبري في تاريخه 2 : 429 ، سنة 11 ، والنقل بتصرف يسير .