استعمله على مكّة والمدينة . فلمّا قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين . فأساء إلى أهلها واستخفّ بهم وقال : أنتم قتلة عثمان ، وضمّ أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمّة ، منهم جابر بن عبد اللّه ، وأنس بن مالك ، وسعد بن سعد ، ثمّ عاد إلى مكّة فقال حين خرج : الحمد للهّ الّذي أخرجني من امّ نتن أخبث بلد ، واغشهّ للخليفة ، واللّه لولا ما كانت تأتيني كتبه فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعوذون بها ، ورمّة قد بليت يقولون منبر الرسول وقبر الرسول ( 1 ) . وفيه : ولّى عبد الملك في سنة ( 75 ) الحجّاج على العراق . فسار في اثني عشر راكبا على النجائب من المدينة حتّى دخل الكوفة فجأة . فبدأ بالمسجد . فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء ، وكان محمّد بن عمير تناول حصباء ليحصبه بها . فلمّا تكلّم جعلت الحصباء تنتثر من يده ، وهو لا يعقل ثمّ كشف الحجّاج عن وجهه ، وقال :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 622
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦٢٢
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني
وقال : وإنّي لأرى رءوسا قد أينعت ، وقد حان قطافها . إنّي لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى . إنّ الخليفة عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها .
فوجدني أمرّها عودا ، وأصلبها مكسرا . فوجّهني إليكم ، ورمى بي في نحوركم ، فو اللّه لاذيقنّكم الهوان ، واللّه لتستقيمنّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى ، وقد بلغني رفضكم المهلّب ، وإنّي اقسم باللهّ لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلّا ضربت عنقه ، ونهبت داره . ثمّ أمر بكتاب عبد الملك فقرئ . فلمّا قال القارئ « أما بعد سلام عليكم » قال : يا عبيد العصا يسلّم عليكم الخليفة . فلا يردّ منكم رادّ ، ثمّ قال : اقرأ فلمّا قرأ « سلام
هامش
( 1 ) هذا مختصر كلام ابن الأثير في الكامل 4 : 349 - 359 ، سنة 73 .