تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧

« السبّ فسبّوني فإنهّ لي زكاة ولكم نجاة » قال ابن أبي الحديد : الزكاة النماء ، والزيادة ، ومعنى كون السبّ زكاة له عليه السّلام إمّا ما ورد في الخبر أنّ سبّ المؤمن زكاة له وزيادة في حسناته ، وإمّا أنّ سبّهم لي لا ينقص قدري بل أزيد به شرفا وعلوّ قدر وشياع ذكر ، وهكذا كان . فإنّ اللّه تعالى جعل الأسباب الّتي حاولت أعداؤه بها الغضّ منه عللا لانتشار صيته في مشارق الأرض ومغاربها ( 1 ) . وفي ( الإرشاد ) : ومن آياته وبيناته التي انفرد بها ممّن عداه ، ظهور مناقبه في الخاصة والعامة ، وتسخير الجمهور لنقل فضائله ، وما خصهّ اللّه به من كرائمه وتسليم العدّو من ذلك بما فيه الحجّة عليه . هذا مع كثرة المنحرفين عنه والأعداء له ، وتوفر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله ، وجحد حقهّ ، وكون الدنيا في يد خصومه ، وانحرافها عن أوليائه ، وما اتّفق لأضداده من سلطان الدنيا ، وحمل الجمهور على إطفاء نوره ودحض أمره . فخرق اللّه العادة بنشر فضائله ، وظهور مناقبه ، وبتسخير الكلّ للاعتراف بذلك ، والإقرار بصحته ، واندحاض ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه ، وجحد حقوقه ، حتّى تمّت الحجّة ، وظهر البرهان بحقهّ . ولمّا كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه في من اتّفق له من أسباب خمول أمره ما اتّفق لأمير المؤمنين عليه السّلام فانخرقت العادة فيه ، دلّ ذلك على بينونته من الكافة بباهر الآية على ما وصفناه . وقد شاع الخبر عن الشعبي أنهّ كان يقول : لقد كنت أسمع خطباء بني اميّة يسبّون عليّا عليه السّلام على منابرهم وكأنّما يشال بضبعه إلى السماء ، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم ، وكأنّما يكشفون عن جيفة .

هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 373 - 374 ، والنقل بتصرف يسير .