تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
وللجاحظ رسالة في الترك قال فيها نقلا عن حميد بن عبد الحميد قال : التركي يرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوّق الخارجي سهما واحدا ، وتركض دابته منحدرا من جبل أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر ممّا يمكن الخارجي على بسيط الأرض . وللتركي أربعة أعين عينان في وجهه ، وعينان في قفاه ، وإذا أدبر فهو السم الناقع لأنهّ يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل ، ولو حصّلت مدّة عمر التركي ، وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض ، وليس في الأرض أحد إلّا وبدنه ينتقص على اقيتات اللحم وحده غيره ، وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر لا يظلّها من شمس ، ولا يكنّها من برد . والتركي هو الراعي ، وهو السائس ، وهو الرائض ، وهو النخّاس ، وهو البيطار ، وهو الفارس . فالتركي الواحد امّة على حدة ، وإذا سار في غير عساكره وساروا عشرة أميال سار عشرين ، لأنهّ ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة ، ويصعد في ذرى الجبال ويستبطن قعور الأودية في طلب الصيد ، وهو في ذلك يرمي كلّ ما دبّ ، ودرج ، وطار ووقع ، وإنّ بلغوا وأديا . فازدحموا على مسلكه أو قنطرته بطن التركي برذونه فأقحمه . ثمّ طلع من الجانب الآخر كأنهّ كوكب ، وإن انتهوا إلى عقبه صعبة ترك السنن ، وذهب في الحبل صعدا ثمّ تدلّى من موضع يعجز عنه الوعل . وليس في الأرض قوم إلّا والتساند في الحروب والاشتراك في الرياسة ضار لهم إلّا الأتراك . فإنّهم إذا صادفوا جيشا فإن كان في القوم موضع عنوة فكلّهم قد أبصرها وعرفها ، وإن لم يكن هناك عورة ، ولم يكن فيهم مطمع وكان الرأي الانصراف فكلّهم قد رأى ذلك الرأي ، وعرف الصواب فيه ،