وقوله : « ونساؤكم أقنع الناس » فيه : دخل فتى من أهل المدينة البصرة . فلمّا انصرف قال له أصحابه : كيف رأيت البصرة قال : خير بلاد اللّه للجائع والغريب والمفلس . أمّا الجائع فيأكل خبز الأرز والصحناءة . فلا ينفق في شهر إلّا درهمين ، وأما الغريب فيتزوّج بشق درهم ( 1 ) . وقوله : « ثمرتكم أكثر الثمار » فيه : قال الأصمعي سمعت الرشيد يقول : « نظرنا فإذا كلّ ذهب وفضّة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة » ( 2 ) . « سخر لكم الماء يغدو عليكم ، ويروح صلاحا لمعاشكم ، والبحر سببا لكثرة أموالكم » فيه : قال الجاحظ : بالبصرة ثلاث اعجوبات ليست في غيرها من البلدان ، منها أنّ عدد المدّ والجزر فيها شيء واحد في جميع الدهر . فيقبل عند حاجتهم إليه ، ويرتدّ عند استغنائهم عنه ثمّ لا يبطى ء عنها إلّا بقدر هضمها واستمرائها وجماحها واستراحتها . لا يقتلها عطشا ولا غرقا ، ولا يغبّها ظمأ ، يجيء على حساب معلوم ، وتدبير منظوم ، وحدود ثابتة ، وعادة قائمة . يزيدها القمر في امتلائه كما يزيدها في نقصانه . فلا يخفى على أهل الغلّات متى يتخلّفون ، ومتى يذهبون ويرجعون ، بعد أن يعرفوا موضع القمر ، وكم مضى من الشهر . فهي آية وأعجوبة ، ومفخر وأحدوثة ، لا يخافون المحل ، ولا يخشون الحطمة . وقال الحموي في بيانه وشرحه : إنّ دجلة والفرات يختلطان قرب البصرة ويصيران نهرا يجري من ناحية الشمال إلى ناحية الجنوب فهذا يسموّنه جزرا ثمّ يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسموّنه مدّا ، يفعل ذلك في كلّ يوم وليلة مرّتين يزيد في أوّل كلّ شهر ووسطه أكثر من سائره ، وذاك أنهّ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 522
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٢٢
هامش
( 1 ) معجم البلدان 1 : 436 .
( 2 ) معجم البلدان 1 : 439 .