تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
من أوضع في الفتنة مرهجا ، واقتحم لهبها مؤجّجا . إلّا استلحمته آخذة بمخنقه ، وموهنة بالحق كيده ، حتّى جعلته لعاجله جزرا ، ولآجله حطبا ، وللحق موعظة ، وعن الباطل مزجرة ، أولئك لهم خزي في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشدّ وما اللّه بظلّام للعبيد . « قول المصنّف : ومن كلام له عليه السّلام لمّا هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية » وكما أخبر عليه السّلام بأنّ بني ناجية الّذين خرجوا مع الخرّيت يؤول أمرهم إلى قتل وأسر ، وصار كما قال عليه السّلام . استأذنه عليه السّلام قوم مصقلة الكتاب إليه برجوعه . فأذن لهم وأخبرهم أنه لا يرجع حتّى يموت . فصار كما قال عليه السّلام . ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : ذكروا أنهّ قام إلى علي عليه السّلام وجوه بكر بن وائل فقالوا : إنّ نعيما أخا مصقلة يستحي منك بما صنع مصقلة ، وقد أتانا اليقين أنهّ لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلّا الحياء ، ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ، ولا يده . فلو كتبنا إليه كتابا ، وبعثنا من قبلنا . فانّا نستحي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية . فقال علي عليه السّلام : اكتبوا . فكتبوا : أما بعد فقد علمنا أنّك لم تلحق بمعاوية رضى بدينه ، ولا رغبة في دنياه ، ولم يعطفك عن علي عليه السّلام طعن فيه ، ولا رغبة عنه ، ولكن توسطت أمرا . فقويت فيه الظن ، وأضعفت فيه الرجاء . فكان أولاهما عندك أن قلت أفوز بالمال ، وألحق بمعاوية ، ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق ، ولا السكاسك بربيعة ، ولا معاوية بعليّ عليه السّلام ، ولا أصبت دنيا تهنأ بها ، ولا حظّا تحسد عليه ، وإنّ أقرب ما يكون مع اللّه أبعد ما يكون مع معاوية . فارجع إلى مصرك . فقد اغتفر لك أمير المؤمنين عليه السّلام الذنب ، واحتمل الثقل . واعلم أنّ رجعتك اليوم خير منها غدا ، وكانت أمس خيرا منها اليوم ، وإن كان عليك حياء من الرجوع إلى الحقّ . فما أنت فيه أعظم . فقبّح اللّه أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 487 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )