دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ثم وصبرت وفي العين قذى إلى آخر القصة لأنهّ لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا ويطوي عنها كشحا ثم يطفق يرتئي بين أن ينابذهم أو يصبر - إلى أن قال - والتقديم والتأخير طريق لاحب وسبيل مهيع في لغة العرب قال تعالى : الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عبَدْهِِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً أي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ( 1 ) . قلت : بل لا تقديم ولا تأخير ، وانما الكلام من باب الاجمال والتفصيل فأجمل عليه السّلام أوّلا إعراضه بقوله : « فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا » وفصّل ثانيا بقوله : « وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء » . فشرع عليه السّلام يفكّر فرأى أمره دائرا بين محذورين صولة غير منتجة ، وغمضة مؤلمة ، والمحذور الثاني أقرب إلى العقل فاختاره . ولو لاه لما كان لإعراضه وجه ، ولذا لم يعرض عليه السّلام بعد عثمان وقام وقاتل وقال في قتاله مخالفيه « لم يسعني إلّا القتال أو الكفر بما نزل على محمّد صلّى اللّه عليه وآله » ( 2 ) . والتقديم والتأخير في لغة العرب وإن كان كثيرا حتّى عقد له الثعالبي في ( سرّ عربيتّه ) ( 3 ) بابين لكنهّ طريق آخر ليس مثل ما قال في كلامه ، ولا اختصاص له بلغة العرب بل سائر في جميع اللغات ، وأمّا ما لفقّه في بيان ترتيب كلامه عليه السّلام فهو خارج عن طريق المحاورة عند الكلّ . « يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير » قال ابن أبي الحديد : يمكن أن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 40
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٠
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 51 .
( 2 ) رواه المفيد في أماليه : 154 ح 5 ، المجلس 19 ، ولفظ : « ثم لم أجد إلا قتالهم أو الكفر بالله » رواه غيره أيضا .
( 3 ) انظر كتاب الثعالبي : « فقه اللغة وسر العربية » .