وإنّما كان معاوية متألّما من شوراه مع نيله السلطنة بواسطة شوراه بتدبير الأمر لعثمان كما مرّ ، وبإنهاض طلحة والزبير للحرب معه ، وكتابه إليهما أنّكما ممّن رضيكما عمر ، وأنا أدعو أهل الشام إلى خلافتكما ليزلزلا أمر أمير المؤمنين عليه السّلام فيتمكّن مما يريد من قيامه في قباله عليه السّلام لأنهّ أراد استخلاف ابنه يزيد ، وسعد بن أبي وقاص أحد ستّة شورى عمر كان حيّا ، وكان لا يمكنه مع وجوده ذلك . فاضطر إلى قتله كما أنهّ لمعاهدته الحسن عليه السّلام برّد الأمر إليه بعده اضطر إلى قتله بالسم ، وإنما انتظر معاوية أن يكون عمر يستخلف عثمان بالشخص كما استخلفه أبو بكر بالشخص ، وعثمان هو كان يستخلفه بلا ريب ، وكان عثمان يقول في أيّام قيام الناس عليه : إنّ معاوية ولي دمي لكن يقال لمعاويّة : إنّ صاحبك لو كان عمر استخلفه بالشخص ما كان يفيدك شيئا بعد كون سيرته تلك السيرة فكان الناس يقتلونه وتكون أبعد من مرامك ، ولم يكن لطلحة والزبير عنوان حتّى تنهضهما في قباله عليه السّلام فيضعّفان أمره ، وتتمكن أنت مما تمكنت . فعمر في دهائه عمل عملين : تأخيره عليه السّلام عن الخلافة ، وتزلزل أمره في خلافته التي تحصل له قهرا من هجوم الناس عليه بعد قتل عثمان .
وفي ابن أبي الحديد في موضع آخر قال جعفر بن مكي الحاجب : قلت لمحمّد بن سليمان حاجب الحجّاب : ما تقول في هذا الاختلاف الواقع في أمر الإمامة من مبدأ الحال فقال : لا أعلم له أصلا إلّا أمرين أحدهما أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أهمل أمر الأمّة فلم يصرّح فيه بأحد بعينه ، وإنما كان هناك رمز وإيماء ، وكناية وتعريض - إلى أن قال - وعادة الملوك إذا تمهّد ملكهم ، وأرادوا العقد لولد من أولادهم أو ثقة من ثقاتهم أن يصرّحوا بذكره ويخطبوا باسمه على أعنان المنابر وبين فواصل الخطب ، ويكتبوا بذلك إلى الآفاق البعيدة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 157
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٥٧