قلت : لم ينته الرجل بنهي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فآذى المصابات المرحومات ، وقوله « تؤذي أمواتكم » خلاف قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا ( 1 ) وكيف وقد أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالبكاء على عمهّ حمزة ، وبكى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله نفسه على إبراهيم ابنه وقال « يحرق القلب ، وتدمع العين ، ولا نقول ما يسخط الربّ » ( 2 ) وكسب النائحة إذا لم يكن من النوح الباطل حلال . وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : لما مات عبد اللّه بن أبيّ بن سلول حضر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله جنازته فقال له عمر : ألم ينهك اللّه أن تقوم على قبره فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . فقال عمر ثانية : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ويلك ، وما يدريك ما قلت إنّي قلت : « اللهمّ احش جوفه نارا واملأ قبره نارا » فأبدى عمر من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما كان يكره ابداءه ( 3 ) . قلت : ومن الغريب أنّ العامّة نقلوا هذه القصّة هكذا : « إنّ عبد الله بن أبيّ لما توفيّ جاء ابنه وأهله إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وسألوه أن يصلّي عليه . فقام بين يدي الصفّ يريد ذلك فجاء عمر . فجذبه من خلفه ، وقال له : ألم ينهك اللّه أن تصلّى على المنافقين . فقال : إنّي خيّرت فاخترت فقيل لي : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ( 4 ) ولو أعلم اني إذ أزدت على السبعين غفر له لزدت . ثمّ صلىّ عليه ومشى معه ، وقام على قبره ، فعجب الناس من جرأة عمر على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فلم يلبث الناس أن نزل قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قبَرْهِِ ( 5 ) فلم يصلّ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 101
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٠١
هامش
( 1 ) فاطر : 18 .
( 2 ) اخرجه مسلم في صحيحه 3 : 1807 ح 62 ، وأبو داود في سننه 3 : 193 ح 3126 ، وغيرهما .
( 3 ) أخرجه القمي في تفسيره 1 : 302 ، والنقل بتصرف يسير .
( 4 ) التوبة : 80 .
( 5 ) التوبة : 84 .