وكذلك في الخطبة الشّقشقيّة الّتي رواها العامّة والخاصّة ( 1 ) ، وكذلك في الخطبة الّتي كتبها لجعدة بن هبيرة حتّى يقرأها ، لمّا سألوه بعد فتح مصر عن الثّلاثة المتقدّمين عليه ( 2 ) . والتنكّب عن الجواب بمثل ما فعل عليه السّلام أبلغ جواب ، وتبعه ابن عبّاس في مجاوبة معاوية وابن الزّبير ، ( ففي عيون ابن قتيبة ) روى الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال : أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم ، فقال يا بني هاشم ألا تحدّثوني عن ادّعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم - إلى أن قال - : قال معاوية : إنّ أمركم لأمر تضيق به الصّدور ، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم : حقّ . فإن كانوا اجتمعوا على حقّ ، فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم ، انظروا فإن كان القوم أخذوا حقّكم فاطلبوهم ، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا إليهم ، فإنهّ لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه النّاس لكم . فقال ابن عباس : ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقه لم تقعد مقعدك هذا ، ونقول : كان ترك النّاس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقّا ضيعّوه ، وحظّا حرموه ، وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطى ء الورد والصّدر ، ولا ينقص فضل ذي فضل غيره عليه ، قال اللّه عزّ وجلّ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فضَلْهَُ ( 3 ) . فأمّا الّذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فعهد منه إلينا ، قبلنا فيه قوله ودنّا بتأويله ، ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الّذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه ، ولا يعاب أحد على ترك حقهّ ، إنّما المعيب من يطلب ما ليس له ( 4 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 92
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٩٢
هامش
( 1 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1 : 30 خطبة 3 .
( 2 ) هذا الحديث رواه الكليني في الرسائل عنه كشف المحجّة : 173 ، والثقفي في الغارات 1 : 303 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 19 وغيرهم ، وأما كونه خطبة أو كونه لجعدة بن هبيرة فليس بمعلوم .
( 3 ) هود : 3 .
( 4 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 : 5 .