وثانيهما : أنّهم عليهم السّلام أجابوا في بعض المواضع تقيّة ، ولو كانوا لا يتّقون ولا يأمرون شيعتهم بالتّقيّة لما أبقت الأعداء منهم ومن شيعتهم أثرا ، قال زرارة : سألت أبا جعفر الباقر عليه السّلام عن مسألة فأجابني ، ثمّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ، ثمّ جاءه رجل آخر ( فسأله عنها ) ، فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي ، فلمّا خرج الرّجلان ، قلت : يا بن رسول اللّه رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه فقال : يا زرارة إنّ هذا خير لنا ، وأبقى لنا ولكم ، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم النّاس علينا ، ولكان أقلّ لبقائنا ولبقائكم . قال زرارة : ثمّ قلت لأبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام : شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النّار لمضوا ، وهم يخرجون من عندكم مختلفين ، فأجابني بمثل جواب أبيه ( 1 ) . وبالجملة ، اختلاف أحاديثهم عارضي ، وإلّا فأصل أقوالهم واحد ، قال ابن الصّبّاغ المالكي في ( فصوله ) : قال بعض أهل العلم : علوم أهل البيت عليهم السّلام لا تتوقّف على التّكرار والدّرس ، ولا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس ، لأنّهم المخاطبون في أسرارهم ، والمحدّثون في النّفس ، وسماء معارفهم بعيدة عن الإدراك واللّمس ، ومن أراد سترها كمن أراد ستر وجه الشّمس ، وهذا ممّا يجب أن يكون ثابتا مقرّرا في النّفس ، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ، ويقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة ، وتناجيهم ثواقب أفكارهم ، في أوقات أذكارهم ، بما تسنّموا به غارب الشّرف والسّيادة ، وحصلوا بصدق توجيهم إلى جناب القدس ، فبلغوا به منتهى السّؤال والإرادة ، فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة ، فما تزيد معارفهم في زمان
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 71
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٧١
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 65 ح 5 .