تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
الدّنيا أتاه ، ولا حزن منها على شيء قط ، وقد نكح من النّساء ، وولد له من الأولاد الكثير ، وقدّم أكثرهم افراطا ، فما بكى على أحد منهم ، ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان إلّا أصلح بينهما ، ولم يمض عنهما حتّى يتحاجزا ، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلّا سأل عن تفسيره ، وعمّن أخذه ، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين . فيرثى للقضاة بما ابتلوا به ، ويرحم الملوك والسلاطين لغرّتهم باللهّ ، واطمينانهم في ذلك ، ويعتبر ما يغلب به نفسه ، ويجاهد به هواه ، ويحترز به من الشيطان . فكان يداوي قلبه بالفكر ، ويداوي نفسه بالعبر ، وكان لا يظعن إلّا في ما يعنيه فبذلك أوتي الحكمة ، ومنح العصمة . فإنّ اللّه تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار ، وهدأت العيون بالقابلة أن ينادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم : هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس فقال : إن أمرني اللّه بذلك فالسّمع والطاعة ، ألا وإن فعل بي ذلك أعانني عليه ، وعلّمني وعصمني ، وإن هو خيّرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : لم قال : لأنّ الحكم بين النّاس بأشدّ المنازل من الدين ، وأكثر فتنا وبلاء ، يخذل صاحبه ، ولا يعذر ، ويغشاه الظلمة من كلّ مكان ، وصاحبه فيه بين أمرين : إن أصاب فيه الحقّ فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة - إلى أن قال - فلمّا أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة ، فغشاّه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم فاستيقظ وهو أحكم النّاس في زمانه ، فخرج على النّاس ينطق بالحكمة ويبثّها فيهم - إلى أن قال - وكان داود عليه السّلام يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة ، وصرف عنك البلية . قال : وأعطي داود الخلافة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 550 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )