لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنة للإتيان إلّا على هذا الوجه ، وهذا لم يكن ، ولا قاله مفسّر . ولو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له : . . . لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ، لأنّ الأجر إنّما يكون على احتمال عمل فيه مشقّة ، وإنّما يكون فيه مشقّة إذا بناه بيده ، وباشره بجوارحه وأعضائه . قال : واعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل ، ومنصبه العظيم ، ودينه القويم ، من الإغضاء عمّا سلف ممّن سلف ، فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر . فإمّا أن يكون ما كانوا فيه حقّهم ، أو حقهّ ، فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة ، أو لما رآه من المصلحة . وعلى أي التقديرين ، فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله وأقواله بالنّسبة إليهم ، وبين أوّلها ، فإنّ بعد تأويل من يتأولّه من كلامه ، فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الآيات المتشابهة في القرآن ، ولم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الأصول المقرّرة ، فكذلك هاهنا ( 1 ) . قلت : إنّما كان الأولى له أن يريح نفسه ويقول - ككثير من نصّابهم - إنهّ وإن صرّح أنّ النّاس ارتدّوا بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلّا أنّا لا نقبل قوله ، وأنّا لا نقبل أقوال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيه . فقد صرّح فاروقهم لمّا منع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من الوصيّة : بأنهّ علم ما أضمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من تعيينه لعليّ ، إلّا أنّي منعته من ذلك ، لأنهّ لم يكن صلاح الامّة ، فكيف نقبل ما يقوله من نفسه ويدعّيه لنفسه ، ولا يذكر هذه التأويلات التي توجب التهوّع ، ولا يخرج في تطويلاته إلى كلام البلهاء ، واصلاحه حال المتقدّمين عليه عليه السّلام بتأويلاته كما قال الشاعر :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 531
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٣١
تروح إلى العطار تبغي شبابها * وهل يصلح العطار ما أفسد الدّهر
وهل حمله قوله عليه السّلام : « حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله رجع قوم على
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .