« قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السّدر المخضود » من : خضدت الشجر : قطعت شوكه ، فهو خضيد ومخضود . فيسهل عليه تناول ثمره . « وحلالها بعيدا غير موجود » لعدم ورع في النّاس يتّقون من الحرام . قال ابن أبي الحديد وفي شرح قوله عليه السّلام : « صادفتموها » إلى هنا : ذكر عليه السّلام أنّهم صادفوها - يعني الدّنيا - وقد صعبت على من يليها ولاية حقّ ، كما تستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ، ليس زمامها يمكّن راكبها من نفسه ، قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب . حرامها سهل التناول على من يريده ، كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس ، وحلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه ، وكونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة ، وهذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر ، وأنهّ كان الأولى والأحقّ ( 1 ) . قلت : ما قاله من أنهّ عليه السّلام كان دائما يقول باستبدادهم حقّ ، وتأويل أصحابه له باطل ، لكن الظاهر أنّ كلامه عليه السّلام ليس في هذا المقام ، بل في مقام أنّ الدّنيا إنّما فتحت على المتقدّمين عليه بفتح فارس والرّوم ، حيث إنّ الدّنيا صارت متزلزلة بأولئك وزال اقتدارهم ، وكانوا مشغولين بالنهب والسلب ، ولم يتمكّن أمراؤهم من ردعهم ، وإنّما كان من دولتهم مجرّد اسم ومحض صورة ، كما لا يخفى على من راجع السير . « وصادفتموها واللّه ظلا ممدودا إلى أجل معدود » قال ابن أبي الحديد : ذكر عليه السّلام أنّ الدّنيا فانية ، وأنّها ظل ممدود إلى أجل معدود ( 2 ) . وقال ابن ميثم : كنّى بذلك عن زوالها بعد حين تهديدا لهم به ( 3 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 458
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٥٨
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 201 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 201 .
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 26 .