« ذلك » أي : قوله « من أحبّنا فليستعدّ للفقر جلبابا » . « على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره » الظّاهر أنهّ أراد ما ذكره أبو عبيد ، فإنهّ قال : إنهّ عليه السّلام لم يرد الفقر في الدّنيا ، ألا ترى أنّ في من يحبّهم مثل ما في ساير النّاس من الغنى وإنّما أراد الفقر يوم القيامة ، وأخرج الكلام مخرج الوعظ والنصيحة والحثّ على الطاعات ، فكأنهّ أراد : من أحبّنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يجبره من الثّواب ، والتقرّب إلى اللّه تعالى والزلفى عنده ( 1 ) . قلت : ما ذكره أبو عبيد معنى صحيح ، إلّا أنّ لفظ الخبر آب عن الحمل عليه ، وقد عرفت أنّ خبر ( المعاني ) ذكر ذاك المعنى ، وحكم بكون لفظه غير ذاك اللفظ ، وكونه بلفظ : « أعددت لفاقتك ، أي : في القيامة جلبابا » . ولو فرض صحّة الخبر فالظاهر معنى قاله ابن قتيبة ، وهو : أنّ من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدّنيا ، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أعراضها ( 2 ) . وذكر المرتضى في ( غرره ) قولهما ، ويمكن أن يكون في الخبر وجه ثالث ، هو : أن أحد وجوه معنى لفظة ( الفقر ) أن يحزّ أنف البعير حتّى يخلص إلى العظم أو قريب منه ، ثمّ يلوى عليه حبل يذلل به الصّعب . بعير مفقور به : فعل به ذلك . فيحتمل على هذا أنهّ عليه السّلام أراد : أنّ من أحبّنا فليلزم نفسه ، وليحطمها وليقدها إلى الطاعات ، وليصرفها عمّا تميل إليه طباعها من الشهوات ، وليذللها على الصبر على ما ذكرناه ، ومشقّة ما أريد منها ، كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب . وهذا وجه ثالث في الخبر لم يذكر ( 3 ) . قلت : هو أيضا معنى بعيد خلاف المتبادر من اللفظ ، وكيف كان ، فروي عن أبي خليفة الفضل بن حباب الجمحي قال :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 443
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٤٣
هامش
( 1 ) أمالي المرتضى 1 : 13 المجلس 2 ، والنقل بتلخيص .
( 2 ) أمالي المرتضى 1 : 13 المجلس 2 ، والنقل بتلخيص .
( 3 ) قاله المرتضى في أماليه المسمى بالغرر والدرر 1 : 13 ، والنقل بتصرف يسير .