« ولا يمهله النّطق إذا اتّسع » في ( العقد الفريد ) صعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر فارتج عليه ، فمكث مليا لا يتكلّم ، ثمّ تهيأ له الكلام ، فتكلّم فقال : أمّا بعد فإنّ هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا ، فيسيح عند مجيئه سيبه ، ويعزّ عند عزوبه طلبه ، ولرّبما كوبر فأبى ، وعولج فنأى ، فالتأنّي لمجيئه خير من التّعاطي لأبيهّ ، وتركه عند تنكرّه أفضل من طلبه عند تعذرّه ، وقد يرتج على البليغ لسانه ، ويختلج من الجري جنانه ، وسأعود فأقول إن شاء اللّه ( 2 ) . وقيل : إنّ أوّل ما أنشأ الحريري من ( مقاماته ) - وهي ثمان وأربعون مقامة - بالبصرة فعرضها ببغداد على أنو شروان الوزير ، فاستحسنها وأمره أن يضيف إليها ما شاكلها ، فقال : أفعل ذلك في رجوعي إلى البصرة ، وتجمع خاطري بها . ثمّ انحدر إليها فصنع أربعين مقامة ، ثمّ اصعد إلى بغداد ، فعرضها عليها فاستحسنها ، واتهّمه من كان يحسده بأنّها ليست من عمله ، فإن كان صادقا فليصنع مقامة أخرى ، فقال : سأصنع ، وجلس في منزله ببغداد أربعين يوما فلم يتهيّأ له تركيب كلمتين ، والجمع بين لفظتين ، وسوّد كثيرا من الكاغذ ، فلم يصنع شيئا ، فعاد إلى البصرة والنّاس يقعون فيه ، فما غاب عنهم إلّا مديدة ، حتّى عمل عشرا أخرى ، وأضافها إلى تلك ، فعلم أنّها من عمله . وقال العجاج : قلت ارجوزتي الّتي أوّلها :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 409
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٠٩
فأتممت نصف البيت :
ما دام بالهضب من لبنان جلمود ( 1 )
بكيت والمحتزن البكيّ * والدّهر بالإنسان دواري
وأنا بالرّمل ، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا ، وأنّي لأريد اليوم دونها في
هامش
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج 7 : 130 .
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربه 4 : 203 .