ولي الأمر لم يكن ليشركهم معه أو بعده كما فعل أبو بكر مع عمر ، وعمر مع عثمان ، سعوا بتمام قواهم أن لا يصل الأمر إليه ، فقاموا عليه يوم السّقيفة ، ويوم الدّار ، وحين قيامه عليه السّلام ، ولم يكادوا يستعملون أقاربه عليه السّلام في ولاياتهم . قال المسعودي في ( مروجه ) عن ابن عبّاس : إنّ عمر أرسل إلى ابن عبّاس فقال : إنّ عامل حمص هلك وكان من أهل الخبر ، وأهل الخير قليل ، وقد رجوت أن تكون منهم ، وفي نفسي منك شيء لم أره منك وأعياني ذلك ، فما رأيك في العمل قال : لن أعمل حتّى تخبرني بالّذي في نفسك . قال : وما تريد إلى ذلك قال : أريده فإن كان شيء أخاف منه على نفسي ، خشيت منه عليها الّذي خشيت ، وإن كنت بريئا من مثله وعلمت أنّي لست من أهله فقبلت عملك هنالك ، فإنّي قلّما رأيتك طلبت شيئا إلّا عاجلته . فقال : يا بن عبّاس إنّي خشيت أن يأتي عليّ الّذي هو آت وأنت في عملك ، فتقول : هلمّ إلينا ، ولا هلمّ إليكم دون غيركم . إنّي رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله استعمل النّاس وترككم . قال : واللّه قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك قال : واللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم ، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب ولا بد من عتاب فقد قرعت لك فما رأيك قال : قلت : أرى أن لا أعمل لك . قال : ولم قال : قلت : إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك . قال : فأشر عليّ . قال : قلت : إنّي أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك ( 1 ) . وقوله : « واللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل . . . » فجور منه في الحلف ، فإنهّ علم أنهّ صلّى اللّه عليه وآله ضنّ بهم . ثمّ إنهّ لم يستعمل ابن عبّاس ، لئلّا يصير وسيلة لتولية أمير المؤمنين عليه السّلام ، لكونه ابن عمهّ لو مات هو ، مع كون ابن عبّاس من أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . واستعمل معاوية أعدى عدوّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع علمه بنفاقه
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 37
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٧
هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 321 .