تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١

المغيض أو الغيضة يتولّد منهما الشجر ، وكذلك اللّيل والنّهار يتولّدان من جريان الفلك ، كنبت الشجر من المغيضة والأجمة ( 1 ) . قلت : المغيض يستعمل في الخفاء لا الظهور ، قال تعالى : . . . وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ . . . ( 2 ) ، ويقال : غاض الكرام وفاض اللئام ، وابن أبي الحديد عكس . وقال الشهرستاني : المغيض : موضع يمصّ الماء ويبلعه . فكأنهّ عليه السّلام استعار لفظ اللّيل والنّهار لمعنى النور والظلام ، وشبهّ انعدام ضوء النهار لمعنى النور والظلام ، وشبهّ انعدام ضوء النهار في الجوّ ليلا ، وكذا انمحاء ظلام الليل فيه نهارا بمصّ الجوّ وابتلاعه للظلام والضياء ، ويظهر من هذا التعبير ما استكشفه المتأخرون بآلة ( سبكتر سكوب ) وغيرها أنّ الجوّ أو الهواء يشرب ويمصّ من النّور ما يقتضيه طبعه ، ويمجّ الباقي إلينا ، وقد فتح عليهم هذا الباب ألف باب من العلم ، لكن باب مدينة العلم - أعني عليّا عليه السّلام - قد علمّه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حسب الآثار الصحيحة ألف باب ، يفتح له من كلّ باب ألف باب ، وربّما كان هذا وأشباهه من فروع هذه الأبواب التي يستكشف الحكيم منها ألف باب . وأيم اللّه سبحانه إنّ المتأمّل في كلمات عليّ عليه السّلام بعد اطلّاعه على فنون الفلسفة تنفجر عليه ينابيع الحكمة ، ويصدق عندئذ من قال : « إنّ كلام عليّ عليه السّلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين » ( 3 ) . « ومجرى للشّمس والقمر » قال تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَالْقَمَرَ قدَرَّنْاهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 4 ) .

هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 472 .
( 2 ) الرعد : 8 .
( 3 ) الهيئة والاسلام 1 : 51 ، والنقل بتصرف يسير .
( 4 ) يس : 38 - 39 .